ما نعرفه عن أداء مركز إيستغيت في هراري من دون تكييف
عام 1992 كُلّف المعماري الزيمبابوي ميك بيرس بتصميم «إيستغيت»، مجمّع مكاتب ومحال في هراري، وأراد أن يستغني عن محطات التدفئة والتبريد الكبيرة التي يحتاجها مجمّع بهذا الحجم عادة. جاء المبنى كتلتين يصل بينهما رواق مسقوف بالزجاج. وهو مثال على بناء يؤدي بجدرانه وأرضياته ومراوح قليلة ما تؤديه عادة آلة التكييف، ولهذا يُستشهد به حيث تشحّ الكهرباء المخصّصة للتبريد. لكن ما كُتب عن نتائجه أقل مما توحي به شهرته.
مركز إيستغيت في هراري بزيمبابوي: مبنى طويل بواجهة من شبكة خرسانية وصفوف من المداخن على سطحه، يُرى من وراء ساحة سكة حديد بين مبانٍ أعلى منه في المدينة، كانون الثاني 2008. David Brazier, CC BY-SA 3.0, ويكيميديا كومنز.
هواء الليل والخرسانة والمراوح
كتب مراسل «نيويورك تايمز» من هراري في شباط 1997، بعد تسعة أشهر على افتتاحه. تقول إن مراوح كبيرة تدفع الهواء عبر المبنى سبع مرات في الساعة في الليالي الباردة لتبريد الأرضيات المجوّفة، وإن مراوح أصغر تجري في النهار تغييرين للهواء في الساعة. وتضيف جمعية المهندسين الميكانيكيين الأمريكية (ASME) لاحقاً أن تحت كل طابق قنوات فيها كتل خرسانية ناتئة تبرد وتسخن بسرعة، وأن الهواء الدافئ يخرج من 48 مدخنة من الطوب. وتذكر الصحيفة أن الزجاج لا يتجاوز ربع الواجهات، وأن أقواساً إسمنتية تبرز أكثر من ياردة تظلّل النوافذ.
فالمبنى إذن لا يخلو من المراوح. هو يحتاج كهرباء، لكن أقل بكثير.
لماذا هراري
قال بيرس للصحيفة إن الفكرة لا تصلح إلا بفضل الموقع. ترتفع هراري نحو 5,400 قدم (قرابة 1,650 متراً)، وسماؤها صافية ورطوبتها قليلة، وكثيراً ما تنزل الحرارة من 88 فهرنهايت في النهار إلى 58 في الليل. هذا الفارق، نحو 30 درجة، هو ما يتيح لهواء الليل أن يخزّن البرودة في البلاطة لليوم التالي. وقال بيرس: «لا يمكنك فعل هذا في نيويورك». هل في مدينة سورية بعينها فارق بهذا الحجم؟ يتوقف ذلك على ارتفاعها والفصل، ولم أطّلع هنا على سجلات الطقس لأي منها.
أرقام لا تتطابق
نقلت «نيويورك تايمز» عام 1997 أن المجمّع يستهلك أقل من 10 في المئة من الطاقة التي يستهلكها مبنى تقليدي بحجمه، وأن إيجاراته أدنى بنحو 20 في المئة من المبنى الجديد المجاور، وأن مالكته «أولد ميوتشوال» وفّرت 3.5 ملايين دولار من كلفة مبنى بلغت 36 مليوناً، لأنها لم تضطر إلى استيراد محطة تكييف.
أما ASME فتكتب عام 2019 أن بناء «إيستغيت» كلّف أقل بعشرة في المئة من مبنى مكيّف مماثل، وأنه «وفّر 3.5 ملايين دولار من كلفة الطاقة في سنواته الخمس الأولى» (بحسب عبارتها بالإنكليزية). فالرقم نفسه، 3.5 ملايين، يظهر في الروايتين توفيراً من نوعين مختلفين. وجملتها عن استهلاك الطاقة ركيكة أيضاً: تقول إن المبنى استهلك «35 في المئة» قياساً بمباني هراري المماثلة، ولا يتضح هل المقصود 35 في المئة مما تستهلكه، أم أقل منها بنسبة 35 في المئة.
الدليل المقيس الوحيد الذي وجدته مقال كتبه ف. سميث في «مجلة أروب» (Arup Journal) عام 1997. لم أستطع قراءة غير ملخصه، وهو يقول إنه يعرض «أول قياسات للأداء الحراري واستهلاك الطاقة» وإنها تشير إلى أن التوفير سيحصل في المستقبل، أي أنه يتطلع إلى الأمام. ولم أعثر على دراسة رصد مستقلة لاحقة، وقد يكون ذلك من حدود بحثي.
تلّ نمل أبيض مرتفع ومدبّب في أرض عشبية بين أوتجيوارونغو وأوكاهانجا في ناميبيا، شباط 2011. Anagoria, CC BY 3.0, ويكيميديا كومنز.
هل كان مريحاً؟
بحسب الصحيفة، أظهرت رسوم أروب أن الحرارة داخل المبنى تراوحت عموماً بين 73 و77 فهرنهايت، باستثناء موجة الحر التي تسبق أمطار تشرين الأول وثلاثة أيام في تشرين الثاني أوقف فيها عامل نظافة المراوح ليلاً. وقال أحد المستأجرين إن الجو كان «حاراً جداً في تشرين الأول»، ثم تحسّن. وتقول ASME إن المكاتب قد تبلغ 80 إلى 82 فهرنهايت في آخر النهار أسابيع عدة في السنة، فعدّل بيرس وأروب نظام التحكم. والروايتان ودّيتان تجاه المبنى، وليست إحداهما استطلاعاً لآراء من عملوا فيه.
تفسير النمل الأبيض لم يصمد
نسب بيرس الفكرة إلى مبانٍ يبنيها النمل الأبيض. غير أن أبحاثاً لاحقة ترى أن المبنى والأعشاش يعملان بطريقتين مختلفتين. ففي مسودة مقال لمجلة «نيو ساينتست» عام 2010، ينقل فيليب بول عن عالم الأحياء سكوت تيرنر أن «إيستغيت» قام على نماذج خاطئة لأعشاش النمل الأبيض، وأنه لم يلتزم بتلك النماذج أصلاً. وأوضح تيرنر لـASME ما الذي نجح فعلاً: مداخن عالية، وجدران مسامية، ورواق مركزي، وكتل خرسانية تخزّن الحرارة وتفرغها مراوح قوية في برد الليل. وقال إن النمل الأبيض لا يفعل ذلك الجزء الأخير.
وفي عام 2015 نُشرت قياسات أجراها باحثون في هارفارد داخل أعشاش النمل الأبيض، وجدوا فيها أن تفاوت الحرارة بين الليل والنهار يمكن أن يحرّك التهوية، فيتنفس العش مرة في اليوم. وتضيف ASME أن الرياح وأيض النمل نفسه لم يكن لهما دور في تلك الدراسة. وقال غي تيرولاز، الذي يدرس هذه الأعشاش، إن «إيستغيت» بُني على تصور خاطئ لكيفية ضبط النمل الأبيض حرارة أعشاشه، ثم أضاف: «ومع ذلك، إيستغيت يعمل».
هذه الجملة الأخيرة تصف المبنى كما عاشه الناس، وليست قياساً. أما هل ما زال يؤدي اليوم ما توحي به أرقام 1997، بعد نحو ثلاثة عقود، فلم أجد ما يجيب عنه.