أعترف أن الكتابة في موضوع جوهري مثل الهوية الاجتماعية يعتبر تحدي كبير, هنا مجرد خطرات مختصرة عسى أن تكون الأفكار سهلة وواضحة. وأعتذر مقدماً على الإطالة البسيطة
في البداية, هل كل منتج إنساني قائم على فكرة ما؟ قناعتي أنه نعم.. لا منتج إلا بفلسفة وراءه, صحيحة أو خاطئة
والمنتج المعماري والعمراني منبثق من مجموع أفكار متفاعلة مع بعضها, جزء منها يبدأ من المجتمع وينتقل إلى السلطة, وكثير منها يبدأ من السلطة وينتقل إلى المجتمع, جدلية لا نعرف بيضتها من دجاجتها
اليوم سألخص أهم 3 فلسفات هوياتية أنتجت منتجات معمارية واضحة, لا تحتاج تخصصاً لتقرأها في المنتج المعماري, أثق أنك إن قرأت هذا المنشور بعناية ستستطيع قراءة أشياء مشابهة لهذه الأساليب أو في المنشور اللاحق عن "الدولة التركية" ثم عن "سوريا" دون الحاجة إلى شرح مستفيض من البداية مجدداً
الفلسفات غير الملموسة
الفلسفة: Scholasticism - فلسفة المدرسة أو الفلسفة التي تدرس في المدرسة Scholastic
المكان: أوروبا - العصور الوسطى
هذه الفلسفة حاولت توحيد الإيمان والمعرفة مع الكنيسة, قائمة على العقيدة المسيحية وتعاليم أرسطو, حيث كانت الكنيسة هي الراعي الأساسي لجميع العمليات التعليمية وأغلب تعليم الفنانين كان يتبع للكنيسة وبالتالي تشرب الفنانون تلك التعاليم
كيف عبر المعماريون عن هذه الفلسفة:
من الخارج عناصر تحرك بصرك إلى السماء, ارتباطاً بالإيمان والعقيدة, وضوح العناصر الإنشائية بحيث معظم الدعامات الطائرة والأعمدة تعطي المعنى الإنشائي دون الحاجة إلى تحليل, أي الوضوح المستقى من التعليم, استعمال الزجاج الملون مع اتساع فتحات النوافذ بالمقارنة مع العهد السابق, للتخلص من شعور الكآبة الحاصل من قلة الإضاءة الداخلية, والإضاءة هنا تعبير عن تنوير العلم والتعاليم الدينية, مع الوقت تشابكت جميع هذه العناصر ضمن هيكلية واحدة أشبه ما تكون بمنهجية مدرسية متماسكة
<br />
أي أن المدرسة أورثت النظام المعماري التنظيم والهرمية - العقلانية - الوضوح وخاصة العناصر الإنشائية - الارتفاع والتوجيه إلى السماء كرمز ديني - تقدير الضوء والألوان
الفلسفة: الإنسانية - Humanism
المكان: أوروبا - عصر النهضة
هنا تحولت العلوم باتجاه العلوم الإنسانية (البلاغة والشعر والفلسفة والتاريخ) وبالتالي نشأت فلسفة تعلي من شأن الإنسان وقدرته على الإبداع, وبالتالي فالقياسات المثالية هي قياسات جسم الإنسان, على مبدأ أن الإنسان هو مقياس كل شيء
انعكست هذه الفلسفة على العمارة من خلال أمرين أساسيين: أولا استعمال النسب العددية الواضحة - ثانيا النظر إلى عمارة عصر النهضة يشعرك بالوضوح, تقسيمات أشد ما تكون وضوحاً على الواجهات, كل طابق له أسلوب مستقل عن الطابق أعلاه وأدناه, مقسمة بأفاريز بارزة (على نمط جسم الإنسان تقريبا) والارتفاعات بشكل عام أقرب للمقياس الإنساني
أشير إلى أن عصر النهضة (النهضة بمعناها الأوروبي, أي الانسلاخ من لوثة العصور الوسطى) ترافقت مع فتح إسطنبول وقدوم من يحملون قيم التسامح الديني إلى إيطاليا, أمر مثير للاهتمام برأيي, لذلك لا يجب أن نستغرب من الذين لا يقدرون الفنون, البيئة والتعليم يلعبان دوراً أساسياً في تشكيل وعي الإنسان عن الحياة أساساً.. على الجانب الآخر فافول نجم الدولة العثمانية كان بالتوازي مع فلسفة "التغريب" والاقتباس من الغرب, في المنشور التالي ان شاء الله
الفلسفة: الانتقائية - Eclecticism
المكان: أوروبا - الثورة الصناعية
يعني باختصار أن يقوم المعماري باختيار عناصر مختلفة من أساليب مختلفة ويجمعها في بناء واحد, عنصر روماني مع آخر قوطي وثالث من عصر النهضة, ويقدمها كنموذج فريد خاص به, وهي واحدة من أكثر الفلسفات التي تعكس أزمة المجتمتع الهوياتي عمقاً, أتصور أنها تعكس عجز المجتمع عن ابتكار رموزه الأصلية, لذلك حاول اختيار ونقل واستعارة رموز داخلية أو خارجية سواء كانت معاصرة أو تاريخية
لماذا؟
ترافق ذلك مع الثورة الصناعية, الثورة التي بدأت باختراع المحرك البخاري, وبالتزامن مع الثورة الفرنسية وصعوبة الحياة الاعتيادية بعد الهجرة باتجاه التصنيع والمدن والإنتاج الكمي.. أعتقد أن هذا يمثل مبرراً كافيا للانتقائية.
المثير للسخرية حقيقة أن الانتقائية كانت تعتبر ثورة في العمارة العثمانية والتي ترافقت مع "اتجاه التغريب" الذي تنامى بعد وفاة المعمار سنان بسنوات قليلة نسبياً, الأمر الذي سيكون له منشور خاص لاحقاً لأنه (برأيي) أحد أسباب انهيار الدولة العثمانية ونقطة تحول جذري في الفلسفة العثمانية.. سأضرب امثلة كثيرة على هذه الفكرة كما أشرت
الختام
هنا الخطر الكامن
قد يؤدي التطور التكنولوجي, أو السعي الغوغائي باتجاه العالمية والانفتاح على العالم, أو الشره الاستثماري إلى حدوث تشوهات معرفية على مستوى الهوية الاجتماعية والذي سيعبر عنه بمختلف التشوهات لاحقاً.. الأمر الذي علينا أن نتنبه له عند كل خبر جديد.